“ليس لدينا أى اعتراض ولكن تعبنا من جر عربة الخضار وحدنا”، قال الابن الأكبر لأبيه، وهو يضع أقفاص الخضار على العربة الكارو، ليجرها أولاده الثلاثة كعادة كل يوم، من الاسكندرية إلى القاهرة، بسبب تحكمات أب يرفض التجديد، ويصر على العيش فى جلباب أبيه، ويرهق أولاده فى جر العربة خمسة أيام كاملة، ويتجنب الاتجار فى الطماطم لعدم تحملها كل هذه الفترة، دون أن يلتفت لشغف ابنه الرابع، بنداء «قوطة ياطماطم .. مجنونة يا طماطم .. حلوة يا طمطم».
غضب الأب من كلام الابن غضبا شديدا، وانزوى جانبا وأشعل سيجارة “لف”، ماركة موتسيان، أخرجها من بين أربعة سجائر، كان يصرهن فى منديل قماش محلاوى، وكالعادة ومن باب الأدب، وقف الأبناء الثلاثة إلى جانب أبيهم، فنظر الأب إلى ابنه، وقال “ليس منا من يشق صف عربة الكارو، فهى مصدر رزقنا، وأنا أتفائل بها، وسوف تعلمون بعد موتى لماذا أرهقتكم، وعندها ستشعرون بالراحة عندما ترون أولادكم، أصبح لديهم سوقا كبيرا للخضار وخزانة مالية كبيرة، يأتى لكم بفضلها القاصى والدانى ليستدين منها”.
رد الابن بأدب على أبيه، “أبى، كلامك جميل، ولكن الطريق صعب وشاق، فالطريق أكثر من 300 كيلومتر، والقسمة غليظة علينا أنا وإخوتى الثلاثة، ولنا إخوة آخرين، لا يفعلون شيئا، وتتركهم يلعبون ويلهون وتعطيهم أكثر منا، ولا أعرف لماذا تفعل ذلك، وهل لأنك تحبهم أكثر، أم لأنك تخاف من أمهم سليلة أول صاحب عربة كارو فى المحروسة”.
هز الأب رأسه، وامتعض بفمه، وقال لابنه “يا بنى، ليس خوفا، وليس حبا، وإنما حنكة وسياسة، فزوجتى الثانية وأولادها سليلة حسب ونسب، وأهلها أغنياء ونافذون، وكرماء معنا وإن حرموها من الميراث، ونحن نستفيد من وضعهم ومكانتهم، فهذه الخضروات التى أمامك، والتى تزيد على 3 أطنان، حصلنا عليها دون أن ندفع مليما واحدا، وسأقول لك سر أفصح عنه لأول مرة، أحيانا كثيرة نحصل على الخضار “شحاتة”، وهذا كله بسبب فطنة وكياسة أبيك”.
نظر الابن الثانى لأخيه الأكبر، وقال له “أبوك يريد أن يقول لك، لماذا هو يرفض مطلبنا بشراء حمار يساعدنا فى جر عربة الكارو بالخضار، فلو اشترينا الحمار، لن نكون فى نظر علية القوم من محدودى الدخل المطحونين، وسيعطوننا الخضار بثمنه، وأبوك بكياسته يريد أن يحصل عليه دائما بأسلوب الشحاتة، لضمان مكسب أكبر، أنصحك يا أخى أن تسمع وتنصت وتتعلم من حكمة أبيك.”
أخذت الابن الأكبر نوبة تفكير عميق فى كلام أخيه الأصغر، استرجع خلالها كلام أبيه، عن ثراء أولادهم وامتلاكهم سوقا كبيرا للخضار، يمنحهم السلطان والجاه فى القرية يوما ما، وبمجرد أن فاق من نوبته، قال لأبيه وأخيه الأصغر، كلامكم لايقنعنى، فامتلاك حمار لن يغنينا، ولن يرفعنا من طبقة دنيا إلى متوسطة أو عليا، فهو فى النهاية مجرد حمار “.
نهض الأب وأخذ نفسا عميقا وأخرج سحابة دخان، وربت على كتف ابنه، وقال له، إنهم يا ولدى أصبحوا الآن يستكثرون علينا الحمار، بل يحتكرون الحمار، ونحن لسنا معنا ثمن الحمار، ولا أستبعد أن يفرض عمدة القرية ضريبة على الحمار وروث الحمار، وأكل الحمار، وهذا أمر صعب ولاطاقة لنا به.
هنا تدخل الابن الثالث الأصغر، وقال له، كيف يا أبتى تتخوف من قيام العمدة بفرض ضريبة على الحمار الذى نشتريه لراحتنا، وهو لا يفرض ضريبة على الحصان والفيل والبهائم والعجول، إنى أراك تبالغ فى مخاوفك يا أبى، ولا تلتفت للصبر الذى نفذ بداخلنا، من جرنا العربة بواقع 100 كيلومتر لكل واحد منا”.
قاطع الابن الثانى، الذى كان قد اعترض على كلام أخيه الأكبر، وأيد كلام أبيه، وقال “أخى الأصغر محق فى كل كلمة قالها يا أبى، وضعنا مهين، وجر العربة فى ظل راحة غيرنا، يشعرنا بأننا حمير، وأنا لا أريد أن نعيش حمارا يا أبى، وفى الوقت نفسه، لا أنكر عشقى لبيع الخضار”.
فرح الأب بكلام أبنائه، و تذكر أنه سمع يوما ما مقولة أن الاتحاد قوة، ونظر وقال لأولاده “أنا فخور بكم، شبكوا أيديكم فى يدى، وقولوا معى “إيد واحدة .. الحمار من حقى .. عايزين حمار”.
فعل الأولاد وأطلقوا الشعار وعادوا إلى القرية، تاركين عربة الخضار على جانب الطريق، وعادوا إلى القرية ولفوا شوارعها رافعين شعار “عايزين حمار”، فخرج لهم شيخ خفراء القرية، وقطع عليهم الطريق، قائلا لهم ” العمدة استمع لكم وخصص لكم “حصان” .
لم يلتفتوا لشيخ الخفراء وأخذ يجوبون شوارع القرية و ينادون بأعلى صوت “مش عايزين حصان .. مش عايزين حصان .. عايزين حمار”.
