حافظ مش فاهم

وجهات نظر , Comments Disabled

قليل من أبناء القرية يذهب إلى كُتاب الشيخ حسن، قبل التحاقه بالصف الأول الابتدائي.

الكتاب ينعقد في مصطبة إحدى العائلات الكبيرة، حيث يجلس الشيخ الكفيف وإلى جواره رأفت، ذلك الشاب الذي لا يجيد شيئًا في الدنيا سوى تناول الطعام طوال الوقت والإمساك بالصغار حتى يتمكن الشيخ حسن من «عبطهم» على مؤخراتهم جزاء لعدم حفظهم آيات القرآن.

في الإجازة الصيفية، كان الواحد منا يذهب للكُتاب كي يحفظ قصار السور على يدي الشيخ حسن، والذي لا أعرف أين تعلم تلاوة القرآن وأحكامه، فقد كان صوته أجش وينطق الكلمات كل مرة بطريقة مختلفة عن سابقتها، ولم يكن يعلم من أصول القواعد والنحو – وهذا ما اكتشفته فيما بعد – سوى أن المبتدأ مرفوع والخبر منصوب، ومع ذلك لم يكن عصيًا عليه نصب المبتدأ أو كسره..

كان الشيخ حسن سيد نفسه، لا يهتم لأمر هؤلاء الذين طالما حذروه من تحفيظ القرآن وهو لا يعرف شيئًا عن علومه مثل أحكام التجويد أو التفسير.

في يومي الأول بالكتاب، وكنت وقتها في الخامسة من عمري، وضعت «جزء عم» على ورق الكرتون الذي نجلس عليه، وهممت واقفًا كي أغمس الكوز المعدني في بطن الزير لأغترف بعض الماء لأروي ظمأي، قبل أن يصرخ رأفت – مساعد الشيخ حسن – قائلًا:

– إلحق يا مولانا، الواد حافظ رمى القرآن على الأرض.

– هات الكافر ابن الكافر ده.

هجم علي رأفت وضمني إلى صدره، فشل حركتي وقربني من الشيخ الذي طوح عصاته فألهبت مؤخرتي.

صرخت باكيًا:

– معلش يا مولانا.. سامحني والنبي..

– وأنت تعرف النبي يا ابن الكافر أنت!

– أنا أبويا مش كافر..

– وكمان بتقاوح يا كلب يا ابن الكلب..

ضاعف الشيخ الضرير حصتي من «العبط»، وقال كلامًا لا أتذكر منه سوى أنني لا أصلح للحفظ، طالما أنني مشاكس، وأرسل لأبي يخبره أنني «عيل قليل الأدب» أرفع صوتي في وجه الشيخ!

وعندما علم أبي بشكوى الشيخ انهال علي ضربًا، وفي اليوم التالي أرسل معي «عد بيض» أي أربع بيضات، وأوصاني أن أقدم اعتذاري للشيخ حسن، وأن احلف له بأغلظ الأيمان أنني لن أكرر فعلتي مرة أخرى، ولما سألت أبي عن أي فعلة يتحدث، نهرني وقال لي:

– بس أنت قوله كده وخلاص

– طيب يا أبا ما أنا مش عارف هو إيه اللي حصل، وخايف أعمله تاني يقوم الشيخ يضربني!

– يا واد يا ابن الكلب أعمل اللي بقولك عليه ومتتعبش قلبي ربنا ياخدك.

ذهبت للشيخ وأعطيته البيضات، فلما تحسسهم سُر في وجهه الرضا، ولما تعهدت بعدم تكرار فعلتي التي لا أعرف ما هي، تبسم ورفع وجهه للسماء قائلا إنني ربما ينصلح حالي.

جلست بين أقراني وبدأ الدرس..

راح الشيخ يكرر علينا أول آيتين من سورة الإخلاص مرة واثنتين وثلاث، قبل أن يتوقف همس في أذنه رأفت ببضع كلمات، فناداني الرجل الضرير:

– قوم ياض يا حافظ..

– نعم يا مولانا؟

– أنت مبتقراش زي باقي العيال ليه؟

– أصلي أنا حافظ

– طب ما أنا عارف إنك حافظ، هو أنا قلت محمد ولا علي..

هنا ضج الجميع بالضحك، فصاح الشيخ:

– اخرس يا حمار أنت وهو.. وأنت يا ولا، أعمل اللي أقولك عليه يا بن الصرمة..

– لكن يا مولانا أنت حفظتنا السورة دي أمبارح وأنا حفظتها.. تحب اسمعهالك؟

– أيوة سمع يا أخويا..

قرأت السورة كاملة، فدعاني الشيخ لأقترب منه، فظننت أنه سيكافأني، غير أنه باغتني بضربة من عصاته كادت تفقأ عيني.

– الله! ليه كده يا مولانا؟

– علشان متبقاش تسبق.. أنت تحفظ اللي أنا أقولك عليه وبس، ولو حافظ سور تانية تنساها.. أعمل نفسك مش حافظها.. يلا قول وريا «قل هو الله أحد.. الله الصمد..»..

– طب هو يعني إيه «الصمد» يا سيدنا؟

– مالكش دعوة.. كرر اللي تسمعه من سكات..

انقضت الأشهر الثلاثة لم أحفظ فيها سوى خمس سور، بينما كنت أحفظ أحد عشر سورة قصيرة قبل التحاقي بكتاب الشيخ حسن، كنت قد حفظتها من كثرة ما سمعتها من جارنا «علي» الذي يكبرني بنحو خمسة أعوام، إذ اعتاد أن يجلس بعد صلاة الفجر أمام بيتهم ليسترجع ما حفظه من القرآن على يد خاله «محمود» الذي يسكن مدينة حلوان القريبة.


بحث

ADS

تابعنا

ADS