سلط نجيب الريحاني في فيلمه ” غزل البنات ” الضوء علي حالة متردية تصاحب مدرس اللغة العربية وتجعله في مرتبة اجتماعية أقل من خادم الكلاب..
فضح بملابسه الممزقة ومنديله المثقوب وحقيبته المفرغة وانكساره في التعامل مع من حوله طبيعة معلم يعيش داخل حياة لا تمنحه أبسط مقومات الحياة، بينما جاءت دموعه المصاحبة لأغنية “عاشق الروح” كمقدمة للتفريط في حقه في أن يربح فتاة أحلامه بوصفه الأدني.
إذلال من الواضح أنه أغرى صناع السينما لتكراره في فيلم “مع تحياتي لأستاذي العزيز” بطولة محمود يس..حمل مُسعد نفس حقيبة حمام، ووقع في غرام بنت الأكابر سميحة (نيللي) التي اتخذته قنطرة للوصول إلي حبيبها، بينما يقف الأستاذ في نهاية العمل وفمه يتسع بابتسامة لا معنى لها تشبه مصيره المبهم.
اختفت بدلة الأستاذ حمام وحقيبته ولم يبق إلا منديله الذي أراد له صناع العمل أن يكون بلا ثقوب هذه المرة في فيلم “السفيرة عزيزة” لنشاهد الأستاذ حكم – عبد المنعم إبراهيم- يلوح به من النافذة أملا في إنقاذ صديقه من سكين المعلم.
ظل الأستاذ حكم طيلة الفيلم يتحدث الفصحى وكأنه يتعمد استخراج ضحكات السخرية على لغة لا مبرر لتداولها بعد أن انحسر النطق بها داخل الغرف الدراسية المغلقة.
نفس المنديل ظهر في فيلم محمد هنيدي ” رمضان مبروك أبو العلمين حمودة ” واستبدل بدلة حمام الشتوية بأخرى صيفية يبرز من أحد جيوبها العلوية قلمان: أحمر وأزرق، واستخدم صوته الجهوري وأفرط في التعامل بالفصحى مقتديا بـ “حكم” ليضمن اقتلاع الضحك من قلوب مشاهديه.
أما جورج سيدهم في فيلم “الشقة من حق الزوجة” فقد لطم ضمير المعلم وقدمه في طرح مغاير متخذا من المهنة وسيلة للربح وأداة لاستدرار المال من جيوب أولياء الأمور ممن يسوقون عيالهم إلى شقته أملا في تحسين مستواهم التعليمي.
نفس الشيء فعله حسن حسني في فيلم “درس خصوصي” لكنه وجد والده الآتي من زمن مضى يقف له بالمرصاد ويحيي ضميره الميت ويعلمه قيما كان يتم تداولها في عصور سابقة.
ولم يتخلص نور الشريف في فيلم “آخر الرجال المحترمين”من الإكسسورات المظهرية لمدرس اللغة العربية سواء من حيث الشكل العام والإصرار علي ارتداء بدلة كاملة وكأنها فرض عين على مدرس اللغة العربية لابد أن يظهر بها حتى وهو ذاهب في رحلة مدرسية مع تلاميذه إلى حديقة الحيوان، أو من حيث استخدام الفصحى في مخاطبته لمن حوله حتى ولو كان يتحدث إلى بلطجي عشوائيات.
والسؤال هل يختلف واقع معلم اللغة العربية عن خيال السينما؟
من المهم أن تكون الإجابة بنعم. داخل كل منا ذكريات تحمل لمدرس اللغة العربية العرفان، وتحفظ له الجميل، وتشحذ همتنا للدفاع عنه كلما حاول البعض النيل من شخصية ساهمت بدور كبير في صياغة الوجدان والحفاظ على تراث عربي كان من السهل تبديده لولا وجود هذا المعلم.
وإذا كانت الصورة السينمائية تؤذي معلم اللغة العربية، فإن الدولة تكرس لها وهي تمنحه راتبا زهيدا لا يمكّنه من الإنفاق على أسرته ويحرضه على تأجيل الاهتمام بمظهره وتقليم أحلامه.
