الكاشف

وجهات نظر , Comments Disabled

قليل هم الشعراء الذين يستشرفون الغد ويستشعرون دنو الأجل فيسطرون ذلك في شعرهم إحساسًا شفيفًا رقراقًا يجد صدى من القارئ الذي يرى أمامه نفسًا صادقة مسشرفة للآتي، مارة عبر حدود الزمن والمكان، ذات بصيرة حادة لما وراء الحياة، قليل هم الذين يستطيعون النفاذ لهذه الحالة، من هؤلاء الشاعر الصعيدي منتصر الكاشف، ابن فرشوط بقنا، تلك المحافظة التي تمتاز بطيبة أهلها وبجذورهم الضاربة  في تاريخ مصر الفرعونية وتاريخ العروبة «كثير من سكانها من القبائل العربية».

منتصر الكاشف أو أحمد الكاشف كما كان يحب أن يدعى (تيمنا باسم الشاعر مجايل شوقي :أحمد الكاشف ) هو شاعر من خريجي دار العلوم عام 1997م وهي دفعة شهدت ميلاد كثير من الشعراء أمثال د.أحمد بلبولة ود. عماد حسيب، وكان معهم نخبة من الشعراء في جماعة الشعر بدار العلوم مثل علي عمران وسامح محجوب ود.حسام جايل، والمهندس محمد عباس خضر والمهندس أمير عزمي والمهندس نزار عبد العزيز، وكان يشرف على الجماعة الشاعر الدكتور مصطفى عراقي ثم الشاعر الدكتور أحمد عفيفي ويزورها بين الحين والآخر الشاعر أحمد بخيت، كان الجماعة ملأى بالحياة والشعر والجمال والنقائض الشعرية كتلك التي كانت بين الشاعر محمد هارون والشاعرة الدكتورة حنان عبد العزيز، في هذه الأجواء الجمالية المليئة بالتنافس الجميل تميز منتصر الكاشف بالحضور الوقور والسمت الصعيدي والشعر العمودي المحافظ الذي يستنهض اللغة القديمة فيلبسها نبض العصر ويبرز قدرتها على التغير والتنوع والتعبير العميق عن معاني اليوم بعيدا عن الجفاء الذي يصم به كثير من الكتاب اللغة، كان حضوره عملاقًا وشعره عملاقًا وهيئته الصعيدية الفقيرة تزيده مهابة وحضورًا.

من قصائد الكاشف الرائعة التي عبر عن شعره وعن حضوره وعن استشرافه هذه القصيدة التي يقول فيها:

دعائي ليسَ يا محبوبتى كذِبًا ولا حيلةْ
كتابُ الموتِ يَصرخُ فىَّ، لا أَسْطِيعُ تأويلَهْ
ملاكُ الموتِ يتلو منه في أذنىَّ ترتيلَهْ
*******
فآهٍ مِن صريرِ الموتِ.. أهٍ أيها الطَّلسَمْ
نثورُ لأيِّ شيءٍ، ثُمَّ للأَجداثِ نَستسلِمْ
وأنَّى ثورةٌ؟.. والموتُ عندَ الموتِ لا يرحمْ!
*******
أراني بينَ آلامي وتَنكيلِ المُنَى، حائرْ
دمُ الشهداءِ مِن أحلاميَ العذراءِ بي هادرْ
ترفَّقْ.. إنْ مَن تطوي كتابَ حياتَه (شاعرْ)
*******
فهيا أسرعي.. إني ثوانٍ.. ثُمَّ ألقَى الربّْ
أروحُ له وبينَ جوانحي الحمقاءِ ذنبُ الحبّْ
فأرجو منكِ أن تبكي فدمعُ الذنبِ يمحو الذنبْ!
*******
تعالَيْ ودِّعي صبًّا تَوارَى عن عيونِ الناسْ
وأخلصَ فيكِ للإحساسِ حتى اغتالَهُ الإحساسْ
ليُهدِى فوقَ وجنةِ مَن هَواها آخرَ الأنفاسْ
*******
سنينًا قد ضننتُ على مشوقِكِ بالهَوَى يا أنتْ
فلا تَستكثري لحظاتِ تَوديعِ الحبيبِ المَيْتْ
ولا تَخْشَيْ تَناجِينَا فإني راحلٌ في صمتْ
 هذه القصيدة قالها الكاشف ثم بعدها بأيام صدق ما قال فلقي ربه في الخامس والعشرين من شهر يوليو الماضي وكأنه كان يرثي نفسه وكأنه كان يستشرف الموت، رحم الله الكاشف الشاعر الخلوق الحبيب إلى أهله وأصدقائه والحبيب للشعر الذي أعطاه فما استبقى شيئًا الذي صدق قوله :

ولا تَخْشَيْ تَناجِينَا فإني راحلٌ في صمتْ

 

 


بحث

ADS

تابعنا

ADS