فى الدول المؤمنة بالديمقراطية ، يحافظ الجميع هناك على الرموز السياسيين ، وينظرون إليهم على أنهم”ثروة قومية” ، سواء كانوا حكاما أو محكومين ، خاصة وأن السلطة يتم تداولها بطريقة سلمية ، يصبح بموجبها الحاكم معارضا ، والمعارض حاكما ، بإرادة شعبية ، نزولا على مبدأ يقدسه كل السياسيين هناك ، مفاده أن الشعب هو مصدر كل السلطات فى الدولة .
أما فى الدول غير المؤمنة بالديمقراطية الحقيقية ، والتى هى ” ديمقراطية تكافؤ الفرص فى جميع مراحل العملية السياسية” ، يكون الشغل الشاغل لبعض أجهزة الحاكم وحكومته ، هو حرق الرموز السياسية فى البلد ، وخاصة رموز المعارضة السياسية ، وذلك بالتخوين، تارة ، والتشكيك فى النوايا ، تارة أخرى ، و التشويه المتعمد والمدفوع الأجر لأبواق النفاق السياسى للحاكم ، تارة ثالثة .
فى نموذج الدول المتقدمة المحافظة على الرموز السياسيين ، غالبا ما تكون النخبة السياسية قوية ، وتزداد قوتها وتتسع دائرتها بفعل المناخ السياسى الموات ، ويترتب على ذلك وجود قادة حقيقين للرأى العام ، و وجود ديناميكية سياسية وطنية فى الدولة ، تمثل قاسما مشتركا بين جميع فئات الشعب ، وبالتالى يشارك الجميع فى بناء الدولة والنهوض بها ، عن طيب خاطر ، وبدوافع إيجابية ، تعمل على تسريع عجلة الاقتصاد والإنتاج ، وذلك لقناعة كل الفئات بأنها دول الكل ، وليست دولة جزء ، أو دولة فرد ، ويبقى فى كل الأحوال ، إحترام الكرامة الإنسانية للمواطن وصونها ، هو المعيار الحاكم والدال ، على وجود تلك القناعة من عدمها.
على الجانب المقابل ، فإن تداعيات حرق الرموز السياسيين فى الدول غير المؤمنة بالديمقراطية ، وتلك المتخوفة منها ، تكون كارثية ، سواء على المدى القريب ، أو المدى البعيد ، حيث يكون المناخ السياسى مغلفا بالضبابية ، وطاردا للشرفاء ، وجاذبا للآفاقين والمنافقين وأنصاف السياسيين ، ويترتب على ذلك إصابة النخبة السياسية بالهشاشة ، و خلو الساحة السياسية من المعارضيين الحقيقين ، وانكماش دائرة قادة الرأى الوطنيين ، وتحول المعارضة السياسية إلى أداة ديكورية لتزيين النظام وتفويت خطاياه أو تبريرها حال انكشافها ، مقابل فتات يرضون به من كعكة الحكم ، وبالتالى تتحول الحياة السياسية بكاملها إلى ” سبوبة ” ، لا يستفيد بها سوى محترفى العمل فى دوائر الشللية.
خطورة الشلليةفى السياسة والحكم ، أنها تفشل أى نظام وتهدم أى دولة ، حتى ولو كانت إمبراطورية ، ومهما كانت درجة تماسك شعبها ، على صعيدى النسيج الاجتماعى والموروث الدينى ، فالشلليةلايمكن أبدا أن تخلق فئات مجتمعية متنافسة ومتفاعلة ، ولديها حلم وطنى واحد يجمعها ، وهذا ليس غريبا ، إذا ما اتفقنا على صحة الفرضية القائلة أن أى مجتمع بدون نخبة سياسية وثقافية حقيقية هو فى حقيقة الأمر ، ” جسد بلا رأس” .
أعتقد أن كل من قرأ كلامى بدقة وتمعن ، وصلته رسالتى التى بين سطور كلماتى ، وهى أن الديمقراطية الحقيقية ، وفى القلب منها الحرية السياسية المسئولة ، بمعنى المراعية والمحكومة بأخذ المصالح الاستراتيجية العليا للدولة فى الاعتبار أثناء ممارسة العمل السياسى والعمل العام ، شرط أساسى لضمان عدم تجريف الحياة السياسية ، بالشكل الذى كان عليه الوضع فى عهد مبارك.
