وما فائدة جدول الضرب إن لم تحبك ميرفت!

وجهات نظر , Comments Disabled

لم يكن الضرب يمثل في حد ذاته إهانة بالنسبة لنا حين كنا تلاميذ صغار، غير أني شخصيا كنت أنزعج بشدة عندما يضربني أحد المعلمين أمام “ميرفت”.. فهذه الحسناء البيضاء الطويلة يمكنكم أن تطلقوا عليها حبي الأول.. ذلك الحب الساذج أو بالأحرى الإعجاب الطفولي، فقد وجدتني مشدودا لميرفت فقط لأنها بيضاء وطويلة القامة.

نعود لأمر الضرب، ففي أحد أيام شهر أكتوبر المجيد والذي كان أحد شهور الشتاء في ذلك الوقت -لا أعرف لماذا بات صيفا في أيامنا هذه- وكانت حصة حساب، أمرني الأستاذ رشدي بالوقوف ثم سألني:

– خمسة في ستة بكام؟

سكت برهة ثم أجبت:

– تلاتين يا أستاذ..

لم أكد أنطق آخر حروف كلمة “أستاذ” حتى وجدت الرجل ينهال علي ضربا.

وللغرابة، لم أفكر في شيء ساعتها سوى “منظري” أمام ميرفت، فكيف ستحترمني هي حين أتزوجها -كده خبط لزق- عندما نكبر، وهي تراني أهان أمامها!

باغتني المعلم بسؤال غريب:

– أنت كنت بتعمل إيه بصوابعك قبل ما تجاوب على السؤال؟

– والنعمة يا أستاذ كنت بحسب خمسة في ستة..

– بتحسب؟ لأ يا حبيبي.. مفيش حاجة اسمها بحسب.. لما اسأل في جدول الضرب تجاوب علطول.. لازم تحفظ الجدول كله.. أنت حافظ ولا مش حافظ؟

– حافظ يا أستاذ

– طيب سمع..

– اسمع إيه؟

– أنت مش بتقول حافظ يا غبي..

– لا مقصدش إني حافظ الجدول، أنا اسمي حافظ..

– لا ظريف.. طب خدلك بقى كام عصاية علشان خفة دمك دي..

انهمر التلاميذ في الضحك والأستاذ “يلسوع” جسدي، حتى ميرفت لمحتها تضحك رغم كف يدها الرقيق الذي وضعته على فمها.. وهنا قررت أن أنهي قصة حب لم تبدأ بعد!

أجلسني الأستاذ، ثم ألقى فينا خطبة عصماء عن فوائد الحفظ، قال فيها إن جدول الضرب مثل أشياء كثيرة في حياتنا، يجب أن نحفظه مثل أسمائنا، ووصانا بعدم اللجوء إلى طريقة العد على الأصابع أو حتى تخيل الأرقام مثل ثمرات البرتقال.. وتساءل “لماذا نجهد عقولنا في مثل هذه الأشياء التي حسمها السابقون، وحسبوها هم، ثم جهزوها لنا لنأخذها عنهم دون تفكير.. لماذا؟”.

جاهدت كثيرا خلال الأيام التالية لهذه الواقعة، فحفظت جدول الضرب من “واحد في واحد” حتى “إتناشر في إتناشر”.. ومع ذلك كانت لي هنات، إذ كنت أخلط ما بين نواتج عمليات الضرب خصوصا في أرقام (6 و7 و8)..

والأغرب من ذلك أنني كنت أحفظ الجدول بالترتيب، فمثلا لو سألتني ما هو ناتج عملية ضرب “ستة في سبعة” لأجبتك في لمح البصر أنه يساوي “إتنين وأربعين”، أما إذ عكست السؤال وطلبت مني إيجاد ناتج عملية ضرب “سبعة في ستة”، فحتما كنت سأقع في حيص بيص، ويتعرق جبيني، حتى يمكنني إقناع عقلي بأن العمليتين متساويتين، وأنه لا فرق بين ناتج “تمانية في خمسة” وناتج “خمسة في تمانية”.


بحث

ADS

تابعنا

ADS