الردح فن له أصول، وقواعد، وتقاليد، وعلى المرأة التي ترغب في فرش الملاية أن تمتلك من الموهبة وطول اللسان ما يؤهلها إلى دخول الحلبة وإثبات تفوقها في المبارزات الكلامية.
الردح مزاج مثل شرب القهوة إذا لم تقم به “الردّاحة” في أوقات منتظمة هجّ عقلها من رأسها وقالت: يا نافوخي!
الردح إدمان إذا قررت إحداهن الإقلاع عنه ليومين عادت إليه في اليوم الثالث بشراهة أكبر وهي تسفك كرامة أكبر عدد من البشر.
الردح خفة دم يفقد صلاحيته إذا خرج من فم سيدة ثقيلة الظل.
الردّاحة مشروع شاعرة تمتلك القدرة على صياغة ما تريد أن تقول بكلمات مسجوعة تنتهي بقافية واحدة، وهي ممثلة مسرحية بارعة تقف أمام جمهورها لتؤدي دورًا خارج النص، بتحريك كل جزء في جسدها وفق إيقاع انفعالاتها الداخلية.
بتصفيقة يعقبها شهقة والرجوع بالنصف الأعلى إلى الخلف مع مسح الجبهة بالسبابة، وتحريك حاجب إلى أعلى يبدأ عرض الردح الذي يغري المارة بالتوقف لمشاهدة فصوله، وغالبا ما ينتهي بالاشتباك بالأيدي وشد الشعر والعض.
لا يشترط في الرداحة الناجحة بنية متينة، ولكن جسدا يجيد التعبير، ولسانا قادرا على خدش الحياء وتلبيس التهم وفق مقامات موسيقية وتلوين صوتي مقنع.
لا يرتبط الردح بالقبح، فالرداحة في (الغالب) امرأة جميلة فقدت من يثمنها، تعيش حالة صدام – دائم – مع واقع ترفضه ويأبى أن يتغير، وهو ما يجعلها وعاء للحقد، يفوح بالكراهية.
وهناك علاقة بين الردح والإسراف في الزواق والإكسسوار، فالرداحة تدرك أن العيون تفرزها من “ساسها” إلى رأسها، وهو ما يعني فرصة لإبراز مفاتنها لجذب رجال يخطبون ودها، وتفويت الفرصة على منافسات يتصيدن عيوبها.
والمرأة التي تجيد الردح ماهرة – أيضا- في المدح، تحفظ عبارات المجاملة عن ظهر قلب، وينخفض صوتها إذا رفعت شعار ” إن كان لك عند الكلب حاجة قول له يا سيدي”.
والرداحة كائن يتغذى على الغضب، تشعر بالسرور إذا نكّدت على من حولها، وبالسلام إذا قلبت حياة من أمامها إلى جحيم، بينما تظهر موهبة الردح في سن صغيرة وهو ما يجعل طفلة لا تصل إلى الركبة أن تغسل امرأة بطول وعرض.
بنت البلد تستخدم الردح كحائط صد بينها وبين من يطمعون في جسدها. تلجأ إليه عند الحاجة لتدافع به عن نفسها، وهي تصرخ في وجه من حاول التحرش بها.
الردح في البيت للسيطرة على الزوج.. وفي العمل لإقصاء الزميلات.. وفي الشارع لترويع الأعداء.. وأمام المرآة لتبديد الخوف.. ومع الصديقات لتفريغ الكبت..
“تون” الصوت يتوقف على طبيعة المكان ودرجة حرارة العروق، فصاحبة الدم الحامي في إمبابة يستطيع صوتها أن يجيب لآخر الشارع وهي لا تكف عن التنطيط، بينما تفرض الحياة الهادئة في الزمالك شرشحة ارستقراطية تقتصر على نظرة احتقار بمصاحبة تلويحة خفيفة باليد ونطق جمل تنم عن الامتعاض بلكنة أجنبية متكلفة.
منطق الردح هو “فين يوجعك” فإذا وجدت الرداحة أن التي أمامها جميلة، تتهمها في سمعتها وتعدد علاقاتها، وإن كانت قبيحة بانصراف الرجال عنها، تعاير المثقفة بجهلها في المطبخ، والمؤدبة بقلة أصلها، والأصيلة بفقرها، والرشيقة بغياب أنوثتها، والممتلئة بتضاريسها.
