كانت الظروف قاسية عليه لدرجة أفقدته الوعى المجتمعى لمدة تقترب من 60 عاما.
فجأة .. وجد بريق أمل فى ثورة شعبية تلاحقه وتطارده لمدة 18 يوما، وتعيد لذاكرته أمجاد النضال الوطنى.
كان قد سمع تلك الأمجاد من رواة التاريخ تارة، ومن محاضرات دكاترة فى جامعته تارة أخرى، وشكلت عنده بذرة عشق للديمقراطية الحقيقة.
البذرة الديمقراطية استقاها من تاريخ النضال الوطنى من أجل الاستقلال والدستور، وخاصة دستور 1923، وكان يدرك حجم الكارثة التى حلت بالنبتة الحقيقية الأولى للديمقراطية، من جراء انقلاب إسماعيل صدقى على ذلك الدستور فى عام 1933.
انقلاب “صدقى” على الدستور كان بإيعاز من الملك والقصر الملكى، وذلك لأن دستور 1923، كان يقيد سلطات الملك، ويحدد مخصصاته المالية، ويقيد صلاحياته فيما يتعلق بالمكرميات والهبات، التى كان يعطيها الملك لبعض المقربين منه، سواء كانت أموال أو أراضى.
هكذا كان يدرك الشاب المصرى المنتمى لوطنه حتى النخاع، والمحب لمصر حتى آخر قطرة دم، الأهمية القصوى لثورة 25 يناير فى الـ 18 يوما الأولى، وكذلك الأهمية القصوى لمطالبها، وخاصة مطالبها الثلاثة التى نالت اتفاق الجميع عليها، وهى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
اختطف الإخوان الثورة ودمروها، وكانوا السبب الرئيسى فى ضياع الحلم الوطنى الجميل، وسرعان ما عادت الأمور إلى ما كانت عليه، بفعل ثورة 30 يونيو، حيث ديمقراطية تفصيل، وبرلمان تفصيل، وأحزاب تفصيل، ونخبة سياسية وثقافية تفصيل، وبشكل أكثر فجاجة مما كان قد عودنا عليه صفوت الشريف ورفاقه، طوال مدة حكم حسنى مبارك لمصر.
على غرار انقلاب صدقى، على دستور 1923، استفاق الشاب الذى شارك فى 30 يونيو للإطاحة بحكم الإخوان، على أبواق بعضها مقرب للسلطة، وبعضها الآخر يعتبر جزءا منها، تسعى للانقلاب على دستور 2014، الذى وافق عليه الشعب فى استفتاء عام، بعد أن أقنعوه بأن أفضل دستور فى تاريخ مصر، وكل ذلك بدافع إعادة سلطات الرئيس التى سلبت منه بموجب ذلك الدستور، وبهدف تفصيل دستور جديد على غرار دستور 1971، الذى سقط بفعل ثورتى الشعب .
مشكلة هذا الشاب، أنه قد يصاب يوما بالغربة فى مجتمعه، فالحياة التى يريدها لم يجدها، والدولة التى سعى لها لن ولم تتحقق، والعدالة الاجتماعية التى حلم بها لجميع المصريين صارت دربا من المستحيل، ويتخذها المقربون من السلطة وخاصة الكسالى منهم، مثار سخرية من المطالبين بها، كما لو كانوا يملكون حرفية بيل جيتس فيما يتعلق بالسوق الحر، متناسين أنهم يعيشون فى الأساس عالة على المجتمع.
قد نعيش عقدا أو عقدين، قرنا أو قرنين، ومهما طالت الفترة البينية بين الواقع والحلم، وبدون أن يتغير الحال على صعيد الديمقراطية الحقيقية إلى الأفضل، فإن منطق الشاب سينتصر فى النهاية، لأن منطق الأمور كلها يدفع فى ذلك الاتجاه، حتى لو تعطل حينا من الزمن، فكل الشعوب فى حقيقة الأمر تواقة للحرية والديمقراطية الحقيقية، والفيصل فى استمرار الأنظمة من عدمه، هو قدرتها على تحقيق مطالب وطموحات كل فئات الشعب، بمعدل يحقق الرضاء الشعبى عنها، والنظام الذى لا يقدر على تحقيق ذلك يفقد شرعية أدائه، ويكون حتما مهددا بأحد أمرين، إما السقوط الذاتى، وإما السقوط بثورة.
