وجهات نظر

سيدتي الجميلة

السر وراء عظمة أسطورة «بجماليون» هو قدرتها الفذة على تطويعها لكل عصر، وكل ذوق، وإلهامها لكثير من الفنانين في شتى أصقاع الأرض عبر العصور.

النبتة الأولى للأسطورة وردت في قصيدة أوفيد السردية بعنوان «التحولات» التي وصف فيها كيف أغرم النحات «بجماليون» بالتمثال الذي نحته ودعا الإلهة أن تدب فيها الحياة فاستجابت.

التنويعات على الأسطورة اختلفت من أديب لأديب، فهناك من أوردها بتفاصيل مختلفة لإثبات أن المرأة لا تعرف الإخلاص لمن أحبها، وأن الخيانة طبع أصيل فيها، فبعد أن صنع النحات العظيم بجماليون تمثاله العاجي للمرأة الجميلة التي زينها بكل آيات الحسن ووهب لها قلبه وعمره ودعا إلهة الحب فينوس أن تحييها فاستجابت وجعلتها من لحم ودم، وفي المقابل كان جزاء هذا الحب الجحود والنكران واستجابت لمشاغلات صبيه «نرسيس» حامل الإزميل.

وحين تناولها جورج برنارد شو جعل «بجماليون» هو الأستاذ هنري هيجينز الذي حول بائعة زهور في الشارع إلى سيدة محترمة وأنيقة في أعلى طبقات المجتمع، وأسهم في تحسين مستواها الفكري والاجتماعي، إلا أنها تتمرد عليه وتترك زهرة قلبه تذبل على الأرض، وهي المسرحية التي حولتها هوليوود إلى الفليم الموسيقي الرائع «سيدتي الجميلة» واقتبسها للمسرح المصري سمير خفاجي في مسرحية «سيدتي الجميلة» من بطولة العملاقين فؤاد المهندس وشويكار والذي جعل من النشالة فتاة ارستقراطية، لكنه أنهاها بشكل مختلف حيث عادت إليه على وقع ترنيمة «أنت القلب الكبير».

وكانت للأسطورة مع قلم توفيق الحكيم، تناول آخر، رغم اعتماده على العمل الأصلي لكنه أخذها إلى المسرح الذهني، وبدأ من أمنية «بجماليون» في أن يتحول هذا التمثال الحجري لامرأة غاية في الجمال كي يتزوجها، وعندما ابتهل إلى فينوس إلهة الجمال وتم له ما أراد، لم يتوقع بجماليون النحَّات البائس أن تتحول “جالاتيا” الرقيقة إلى امرأة تلهو مع «نرسيس»، لكن الزمن يعاقبها بالقسوة عليها، ويبدأ في حفر تجاعيده على وجهها، وتظل الأسئلة تطارد رأس بجماليون أيهما يدوم الجمال أم القبح؟، الغالي أم الرخيص؟ الحب أم اللهو؟ الإخلاص مقابل عفن القلب.

لقد تحدى «بجماليون» ذاته، عاندها، وأدرك متأخرًا حقيقة أن تمشي بقدميك على الأرض، أفضل آلاف المرات من أن تحلق بأجنحةٍ شمعية في سماء لزجة.


إغلاق