بنات بشنبات

وجهات نظر , Comments Disabled

من طرائف سنوات دراستي في المرحلة الابتدائية، أنني كنت أتعلق بواحدة من الفتيات مع بداية كل عام دراسي، فقد أنهيت قصة حبي الأولى مع ميرفت حين رأيتها تضحك وهي تشاهد الأستاذ رشدي يضربني بالخرزانة، لكن سرعان ما استعدت شهيتي للحب في العام التالي، وكانت بطلة هذه القصة هي هناء ابنة شقيق ناظر المدرسة..

وقبل أن أحكي لكم عن قصتي مع هناء، أود أن أذكر لكم حقيقة علمية وهي أن البنات في قريتنا لا فرق بينهن وبين الصبيان في شيء ظاهري.. فالبنت مثل الولد مش كمالة عدد في الشكل طبعًا، ولا يمكنك تمييز منى عن سالم مثلا.. وربما يقول قائل إن هناك ما يشبه الشارب يخط أسفل أنف أحدهم، لكنك ستعجب حين تعرف أن هذا الشارب يميز وجوه الفتيات المشعرات وليس الصبيان، فالفتيات في بلدنا “يفورن” مبكرا، ومع ذلك يبقين كما الفتيان، لا فرق بين هذا وتلك سوى في الملبس.. وهذا ما كان يدعني لأن أتخيل أن الناس في قريتنا كلهم من نوع واحد لا فرق بين ذكر وأنثى، وأن “الحريم” هن في الأصل مجموعة منا قرروا أن يلعبوا هذا الدور على طريقة المسارح قديمًا، ولهذا يرتدون ملابس نساء من باب التمييز!

أما هناء فلم تكن كذلك، هي واحدة من بين عدد قليل من الفتيات اللائي فلتن من النكبة، ومنحهن الله وفرة من الجمال..

لم تكن هذه الفتاة بالطويلة ولا القصيرة.. بشرتها فاتحة وشعرها منسدل على كتفيها، أسود فاحم وناعم.

وتمتد حدود جمال هناء إلى العيون الواسعة الكحيلة والأنف الدقيق وشفاه ممتلئة تشعلك رغبة في تذوقها.

أحببت هناء حين لمحت جدائل شعرها التي انفكت وهي تجلس في “الدكة” المجاورة لي بفصل “تالتة رابع”، فراحت تلملم خصلات شعرها من على جبينها وابتسامة رقية تملأ وجهها..

وكلما كنت أغادر المدرسة بعد انتهاء الحصة الأخيرة، كنت أشعر بوجع في قلبي، لا أعرف له سببا سوى أنني لا أحب أن ابتعد عن هذه الفتاة، ولهذا تعمدت في غير يوم أن أطوف حول منزلها دون مناسبة لعلي أكحل عيني برؤيتها..

ظل الحال هكذا حتى قررت يوما أن أصارح أمي بحقيقة مشاعري تجاه هناء، علها تساعدني وترشدني لطريق يقربني من هذه الفتاة النضرة..

–      يا يُما، عاوز أقولك على حاجة..

كانت أمي تعد الخبز في فرن ملحق بحوش الدار، وكان الصهد يعرقها، فقالت متأففة:

– وده وقته يا حافظ؟ روح العب..

– لأ.. لازم تسمعيني..

– طب قول وخلصني..

– أنا عاوز أتجوز..

ضحكت أمي كما لم أشاهدها تضحك من قبل، ونصحتني أن أذهب بعيدا عنها وإلا أبلغت أبي فيضربني..

– ما ليش دعوة أنا عاوز أتجوز هناء بنت عم صالح.

– بتقول إيه يا قليل الرباية!

– بحبها

– حبك برص وعشرة خرس يا ابن الكلب.. قوم على حيلك تعالى هنا

اصطحبتني أمي إلى حيث يجلس أبي بغرفته، وهمست في أذنه، فتزرقت عروق رقبته ونفرت، ثم هب واقفا ولا أتذكر ماذا حدث وقتها، فقط حين استعدت وعيي وجدتني في غرفتي مستلقي على السرير العتيق، بينما نصف وجهي الأيمن متورم من أثر الصفعة التي طالتني من يد أبي.


بحث

ADS

تابعنا

ADS