“يا سيدتي: كنت أهم امرأةٍ في تاريخي قبل رحيل العام. أنت الآن.. أهم امرأةٍ بعد ولادة هذا العام.. أنت امرأةٌ لا أحسبها بالساعات وبالأيام. أنت امرأةٌ.. صنعت من فاكهة الشعر.. ومن ذهب الأحلام.. أنت امرأةٌ.. كانت تسكن جسدي قبل ملايين الأعوام..”.
رغم أن تجربة نزار قباني الشعرية أكثر التجارب العربية الحديثة انتشارا في الوطن العربي وأكثرها إثارة للجدل النقدي والإعلامي سواء بالهجاء أو المدح، ولنفس السبب أيضا أصبحت هذه التجربة الأكثر غموضًا، حيث من السهل القبض على مضمونها الظاهر، ولكن القبض على الوجه الخفي في شعره والذي يختبئ تحت عباءة الرمز يكاد يكون مستحيلًا.
وأهم مثال على ذلك المرأة في شعر نزار، ذلك الموضوع الذي استنفذ جل طاقته الشعرية خلال نصف قرن من الزمن، حيث كانت موضوعًا لأولى قصائده وموضوعًا لآخر قصائده أيضًا، وأوحى إليه بآلاف الصور المحفزة له في هذا الكون، ولا ندري إلى الآن لماذا اختارها دون سواها من الموجودات الجميلة في العالم، وهو ما فسره النقاد بأنها أصل العالم في فكر نزار فكل شيء جميل مرتبط بالأنثى، فالمدينة أنثى والأماكن أنثى ينهل من حبها فلا يرتوي أبدًا.
“يا سيدة العالم لا يشغلني إلا حبك في آتي الأيام.. أنت امرأتي الأولى. أمي الأولى.. رحمي الأول.. شغفي الأول.. شبقي الأول.. طوق نجاتي في زمن الطوفان… يا سيدتي: يا سيدة الشعر الأولى هاتي يدك اليمنى كي أتخبأ فيها.. هاتي يدك اليسرى.. كي أستوطن فيها.. قولي أي عبارة حبٍ حتى تبتدئ الأعياد”.
فهي عنده المبتدأ والمنتهى، في تجربة فريدة أوجعت قلبه وما زالت.. لكنها دوما الأهم في هذا العالم.. “في كل الأوقات. سوف أحبك.. عند دخول القرن الواحد والعشرين.. وعند دخول القرن الخامس والعشرين.. وعند دخول القرن التاسع والعشرين.. وسوف أحبك.. حين تجف مياه البحر.. وتحترق الغابات.. يا سيدتي: أنت خلاصة كل الشعر.. ووردة كل الحريات. يكفي أن أتهجى اسمك.. حتى أصبح ملك الشعر.. وفرعون الكلمات..”.
