أتمنى من خطيب الجمعة أن يحدثنا عن “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وهو موضوع من الموضوعات المهمة التي يجب أن يركز عليها خطباء الجمعة، حتى وإن تناولوه فيما قبل فيجب أن يتناولوه مرة أخرى من جوانب شتى، وعليهم أن يتوسعوا في شرحه للناس وتبيينه لهم؛ ليشمل كل جوانب الحياة، حيث يقول الله تعالى (يٰأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) سورة الحجرات. فالتقوى تكون في العبادة، والتقوى تكون في العمل، والتقوى تكون في المعاملات بين الناس، بين المسلم وبين أخيه المسلم، وبين المسلم وغير المسلم في وطنه وفي أي مكان، فالتقوى هي السلاح الأقوى للمؤمن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) فلكي تتقن عملك تحتاج إلى قدر كاف من التقوى والخوف من الله وحبه لكي تتقن عملك، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) فالتقوى هي الفيصل في الآخرة ليس للغة وإن كان تعلم اللغة العربية واجب لحفظ القرآن الكريم في لغته الأم الأصلية ولا للجنس ولا للون؛لأن الله هو الذي خلق هذه الألسنة متباينة في أشكالها وأحجامها وألوانها وفي مخارج ألفاظها؛ لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى إذ يقول تعالى في محكم آياته “ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم” فلا تفاضل يوم القيامة إلا بالتقوى والعمل الصالح لا للمال ولا للبنون وإنما للقلب النقي النديّ التقي السليم (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم).
فأمرُ التقوى في المقام الأول (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) فتقوى الله هي التي تلزِمُنا اللجوء إلى الله في كل شيء وقبل كل شيء وأول كل شيء، فنستطيع أن نقول الأقوال الصحيحة والآراء السديدة بتوفيق من الله وحده، كما تعلمنا التقوى اللجوء لله حيث يقول الشاعر:
لا تسألنَّ بُنيّ آدمَ حاجة …. وسلِ الذي أبوابُهُ لا تُحجبُ
فاللهُ يغضبُ إنْ تركتَ سؤالهُ .. وبُنيّ آدمَ حينَ يُسألُ يغضبُ
والتقوى هي أساس التقدم الحضاري في أقطارنا العربية وبلادنا الإسلامية، والتقوى هي الخشية من الله ومن خاف مقام ربه كانت له جنتان (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ، وفي قوله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) يتضح منها أن الخروج من أي محنة تخص الفرد أو تخص المجتمع يكون بتقوى الله، فمن يتق الله يعظم شعائر الله ويحفظ السلم المجتمعي في دولته بل وفي العالم كله، ومن أهم العوامل التي قد توصلك بالتقوى هو الاعتراف بالذنب وإعلان التوبة بالقلب والنية الخالصة في ذلك، وفي الاعتراف بالذنب يقول الشاعر أبو العتاهية:
إلٰهي لا تعذبني فإنّي .. مُقرٌّ بالذي قد كان منّي
وكم من ذلّة لي في الخطايا …وأنت عليّ ذو عفوٍ ومنِّ
يظنُّ الناسُ بي خيرا وإنّي … لَشرُّ النّاس إنْ لمْ تعفُ عنّي
فالتقوى هي مفتاح كل خير وسلم وأمن في الدنيا والآخرة، وأثرها طيّب على الفرد والمجتمع.
