دائما أتخيل أنني عشت في عصور سابقة، جذبني زمن الستينات بشوارعه النظيفة وإنسانه الرومانسي، وملابسه البسيطة، ومبانيه الفخمة، بأغانيه التي تخاطي الوجدان، وأشعاره المحرضة على الرفض، ورواياته المهتمة بالعلاقات الدافئة، وأفلامه المحبوكة، وصحافته التي تحول الأحبار إلى أجود أنواع العطور!
زمن يحتوي على لونين فقط: الأبيض والأسود،.
ذهبت إليه بنفس وظيفتي الحالية، محرر بمجلة آخر ساعة راقبت كامل الشناوي وهو يتجرع زجاجات الكوكاكولا أثناء كتابة مقالاته، وأنصت إلى شرشحة نجوم الفن مع جليل البنداري. وتابعت علي أمين وهو يعاقب المحررين، تعقبت مصطفى أمين أينما ذهب.
حظيت برؤية التابعي ولم أتردد وأنا أقول له رأيي بصراحة في مقاله الأخير، وشكوت من سكرتارية التحرير الذين دائما يطالبونني باختصار تحقيقاتي إلى أقل عدد من الكلمات ليفردون الصور براحتهم.
لكني أشعر بالرعب كلما تخيلت نفسي أعيش في العصور الإسلامية، لدي تصور كارثي بهذا الشأن، أنني لن أكون في تلك الحقبة أكثر من جندي مشاه يخوض إحدى الحروب وينتهي به الأمر أسيرا ومن ثم عبدا يباع ويشترى في الأسواق ولا يستطيع أن يستعيد حريته حتى يموت.
أنصفني عصر الفراعنة ونصبني ملكا على مصر في فترة من الفترات، ولكني لم أجد أي متعة في الأمر وغادرت الحلم مبكرا.
لم يستهويني العصر البرونزي أو الحجري، لكني عندما تخيلت نفسي آدم ابتسمت وكأنني حصلت أخيرا على أفضل الأشخاص الذين أردت أن أكونهم، حياة خالية من البشر باستثناء امرأة خلقت من ضلعك، تحتمي بك وتحنو عليها، تروح وتجئ معك ، منزوعة من الغيرة لأن الله لم يخلق بعد امرأة غيرها، الكون بيتنا والأشجار تضع خيراتها تحت قدمينا والسماء لا تغلق أبوابها في وجهينا.
