تجديد الخطاب الدينى.. “مهمة ثقيلة”

وجهات نظر , Comments Disabled

تجديد الخطاب الدينى مطلب رئاسى تأخر كثيرا، على الرغم من جهود الأزهر الشريف وخطوة إنشاء مجلس أعلى لمحاربة الإرهاب يكون من ضمن مهامه تجديد الخطاب الدينى.

المقصود بالتأخر هنا، هو تأخر البدء الفعلى فى تجديد الخطاب، وليس تجديده كلية، فالمهمة ثقيلة وتحتاج لوقت طويل، وذلك لتعلقها بأمر حساس للغاية، يتمثل فى موروث دينى وعقائدى، وفى ثوابت دينية لايقبل أى مسلم حقيقى المساس بها، وهو ما يجعل من التريث والحكمة فى معالجة مساوىء وشطحات الخطاب الدينى أمرا مطلوبا بل واجبا، على كل القائمين على هذه المهمة الثقيلة.

أقصر الطرق لقبول الجميع بتجديد الخطاب الدينى، هو تحديد الهدف والمراد من التجديد، بحيث يكون الهدف هو تجديد المظهر، وليس المصدر، التدين وليس الدين،فالأول فيه عنصر بشرى ناتج عن احتكاك العقل الانسانى بالنص الإلهى المقدس فى زمن معين، والثانى مقدس ولايمكن لأحد المساس به، أى تجديد الاجتهاد الفقهى، وتنقية الأحاديث النبوية من المدسوس عليها، ومن المتعارض منها قلبا وقالبا مع القرآن الكريم، والتركيز على المعانى والقيم الإنسانية السامية فى الدين الإسلامى، وعدم تعلية الفرع على الأصل فى الدين، كما يفعل أنصاف الدعاة الآن، والتركيز على القيم المشتركة بين الإسلام والأديان الأخرى، واتباع خطاب دينى يحبب الناس فى الحياة، لايحبب الناس فى الموت، أويجعلهم كارهين للحياة، ويجعل المسلم يقبل الأخر ولايرفضه، ويوضح للناس النصوص القرآنية ثابتة الدلالة، والنصوص القرآنية ظنية الدلالة، حتى لايقع أحد منهم فريسة لداعية متطرف أو متأسلم متشدد، يبدل لهم الثابت بالظنى، كما يفعل الدواعش وغيرهم من التنظيمات الإسلامية المتطرفة والإرهابية.

الاتفاق على هدف تجديد الخطاب الدينى، على النحو الذى أشرنا إليه، سيطمئن الجميع، ويجعلهم متعاونين فيه لاخصوم له، خاصة وأن البعض لديه مخاوف من مسألة تجديد الخطاب الدينى، وهذه المخاوف تنتاب بعض علماء الأزهر الشريف، والجماعات السلفية المتشددة و المعتدلة، وترجع المخاوف لارتباط مطلب تجديد الخطاب الدينى بأحداث 11 سبتمر 2001، حيث طالبت “أمريكا – بوش الابن “، الدول الإسلامية بتجديد الخطاب الدينى وتخفيف الخناق على التيارات الإسلامية المعتدلة المتمسكة بآليات الديمقراطية فى العمل السياسى، وهو ما يجعل لتجديد الخطاب الدينى بعدا خارجيا، وهذا كلام نقوله عن علم و بينة، حتى لايقول أحد لنا “مين انت”، فالرئيس الأسبق حسنى مبارك كان أول رئيس مصرى يطالب بتجديد الخطاب الدينى فى 2005، وبناء عليه قامت المجالس القومية المتخصصة فى عام 2009، وبتوجيه منه بإعداد دراسة استراتيجية شاملة عن تجديد الخطاب الدينى، قدمتها له فى أوائل 2010، وكان جارى العمل على تطبيقها، ولكن ثورة 25 يناير 2011، أطاحت بمبارك وحالت دون تطبيق الخطة، وكلها أمور توضح بما لايدع مجالا للشك، أن الرئيس الأسبق حسنى مبارك هو صاحب مبادرة تجديد الخطاب الدينى، تلك المبادرة التى أحياها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى عام 2015.

تجديد الخطاب الدينى يجب أيضا أن يكون بمنأى عن الضغوط الغربية الرامية إلى تقنين أوضاع دينية فى الدول الإسلامية تجعل شعوبها وحكوماتها تقبل حقوق الإنسان الواردة فى المواد 16 و 18 و 25 بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر فى 10 ديسمبر 1948، وهى مواد يمكن لأى أحد بسهولة أن يطلع عليها، ويتخيل مدى قبول المجتمع الإسلامى المصرى لها من عدمه، خاصة وأن منها ما يتعارض مع نصوص قرآنية ثابتة الدلالة، وكلها تركز على 3 حقوق، هى الزواج بدون قيد الدين، و تغيير الديانة دون عقاب، ونسب الأطفال اللقطاء إلى أبائهم.

النقطة المهمة هنا، التى أود إلقاء الضوء عليها، هى أن الأزهر الشريف، ليس مسئولا وحده عن عيوب ومساوىء الخطاب الدينى على صيغته الحالية، كما أنه لايمكنه وحده تحمل مسئولية تجديد الخطاب الدينى، فالخطاب الدينى ليس موجودا فى المساجد والجامعات فقط، وإنما موجود فى الشوارع، حيث العزاءات التى يلقى فيها أناس خطبا دينية، لاتعرف هويتهم، ولا ترى فيهم شيئا سوى لحية طويلة و بيضاء، فضلا عن الخطب الدينية التى تلقى فى المقابر أثناء دفن الموتى، والخطب التى تلقى أثناء عقد القران، سواء فى المساجد أو دور العائلات، ناهيك عن الخطاب الدينى المتمثل فى كتب وكتيبات بير السلم لمشايخ لاتعرف من الدين إلا القشور، والمتمثل أيضا فى دعاة على القنوات الفضائية، يركزون على المختلف عليه طمعا فى الشو الإعلامى ولتحقيق مكاسب شخصية، ويفتون فتاوى شاذة، تثير الجدل فى المجتمع، وتشكك الناس فى الدين، سواء بسبب جهلهم به ، أو جهل هؤلاء الدعاة بقواعد الدعوة بالموعظة الحسنة التى تحبب الناس فى دينهم ولا تنفرهم منه.

كلمة هنا أقولها للدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وللدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف، “هناك تقرير تم إعداده، وتم إرساله للوزارة، يوضح بالتفصيل وجود 17 نقيصة، أى 17 عيبا فى أئمة المساجد وخريجى الأزهر، يؤثرون على قدرتهم فى مهمة الدعوة، وعلى أداء رسالتهم على الوجه الأكمل، الذى يساهم فى إيجاد خطاب دينى تنويرى يدعو للمحبة والتسامح بين الناس والشعوب، ماذا فعلتم بشأنه؟ وهل قرأتموه؟، هل تعرفون عنه شيئا؟، وهل تدركون أن هذه التقرير قد يكون هو الأساس الذى دفع الرئيس السيسى إلى توجيهكم بتجديد الخطاب الدينى؟، خاصة وأن الرئاسة، كان قد وصلها هذا التقرير بالفعل”.

الكلمة الأهم، التى يجب أن تقال فى هذا الملف، من المسئول عن الدعاة المشهورين الموجودين والمعروفين بالإسم، والذين صاروا دولا داخل الدولة، وينشرون سموم التشدد الدينى فى العقل الجمعى للمجتمع المصرى ؟، من المسئول عن وجود خطباء ودعاة،يخيل لك بمجرد أن تسمعهم، أنهم كانوا فى الأساس راسبى ابتدائية وإعدادية ؟، لو عرفنا من المسئول عنهم، فسوف نعرف من أين تبدأ مهمة تجديد الخطاب الدينى.


بحث

ADS

تابعنا

ADS