في العقد الأخير عظمت أغلب أبجديات العمران الحديث من أهمية التلاقي المجتمعي والأنشطة المشتركة حيث توجهت نحو تعظيم دور الفراغ العام، الشوارع المفعمة بالحياة، وأعادت الى الأذهان مصطلحات الاستخدامات المختلطة والفعاليات التشاركية بين أفراد المجتمع، وأكدت على تفعيل دور الترابط الاجتماعي والمساهمات المحلية والمدنية في المدينة وبين السكان.
ذلك بدوره انعكس على تخطيط المدينة حيث اتجه أغلب المخططين الى تفعيل نظم النقل العام، لتقليل حركة السيارات الخاصة وما يتبعها من تحسين البيئة الحضرية وتقليل التلوث البيئي والطلب علي المواقف وأماكن السيارات العامة والشوارع، كذلك توجه المخططون نحو النقل الخفيف صديق البيئة مثل الانتقال بالدراجات ومسارات المشاة التي نادى الكثير منهم الى إدراجها ضمن القطاعات العرضية المعتمدة للشوارع الحضرية داخل المدن، بحيث يحتوي كل شارع علي مسار للدراجات ومسارات للمشاة وتستخدم للتلاقي المجتمعي والفعاليات بالإضافة الي إنها أحد وسائل النقل المتعددة الصديقة للبيئة.
وتتجمع هذه المسارات في ساحات عامة فيما يطلق عليه مصطلح الفراغ العام، متعددة الاستخدام، مع ربط مناطق الترفية بمناطق العمل.
وفجأة وبدون مقدمات يصاب العالم كله بهذا الوباء المخيف (كورونا Covid 19) والذي إستطاع في أسابيع قلية عزل مدن بأكملها، وبدأت مصطلحات التباعد الإجتماعي، العزلة المجتمعية وحظر التجوال في الظهور فجأة.
انقلب الحال من تشجيع النقل العام ومحاولة تعظيم الاستفادة منه عن الحركة بالسيارات الخاصة نجد العالم ينادي بالبعد عن استخدام النقل العام، والبعد عن الساحات العامة ومنع التجوال والرياضة بالمسارات المخصصة لذلك، تحول العالم نحو عزلة مجتمعية إجبارية خوفاً من الانتقال السريع للعدوى بهذا المرض.
وهنا نتساءل:
هل هذا التوجه سيكون مؤقت أم دائم؟
هل سيتبع ذلك تغيير في توجهاتنا العمرانية الحديثة وحتى في تصميم مبانينا ومنازلنا في المستقبل القريب؟
وللإجابة على هذه التساؤلات يجب أن نعلم أن التغيير في هذه التوجهات مرتبط بمدى استمرارية هذا الوباء وطول فترته، بمعنى أنه في حالة انتهائه في غضون شهور قليلة فتأثيره على العمران سيكون محدود وقد يقتصر الأمر على زيادة الإجراءات الإحترازية في مداخل المدن.
لكن في حالة استمراريته لفترات طويلة أو ظهور أوبئة جديدة حتماً ذلك سيغير من توجهاتنا وعمراننا الحديث، وذلك سيتم من خلال مراحل تحتاج إلى أبحاث عدة ستكون محور العديد من النقاشات الخاصة بالعمران في العقد القادم.
ولعل من أهم محاور هذه النقاشات التي قد تظهر:
- هل سيتم تعظيم دور المدن الذكية والخدمات الإلكترونية للاعتماد عليها بشكل كامل نظراً للاتجاه نحو تقليل التجمعات والتباعد الاجتماعي، وبالتالي سيستبدل مصطلح التلاقي المجتمعي الذي ظل سائداً لعقد كامل إلى مصطلح التباعد الاجتماعي.
- ما مدى استخدام التكنولوجيا في تصميم مدننا ومبانينا، هل نستخدم تلك التكنولوجيا في منازلنا ونعزلها عن الخارج ونعيش في منازل معقمة ومعزولة عن الفيروسات بالبيئة المحيطة. أم سنعتمد على التهوية الطبيعية والسماح للشمس بدخول المنازل وعزل الغرف وزيادتها لتقليل عدد الأفراد بها.
محور آخر … هو الجانب الاقتصادي فإذا إستطاع الأغنياء سواء أفراد أو حكومات، دول أو مناطق التحول نحو النمط الجديد في العمران والمعمار، نظراً لقدرتهم المالية على تحقيق هذا التغيير المفاجئ، فماذا عن الفقراء ممن لا يستطيعون تغيير هذا النمط، هل ستساعدهم الدول وهو أمر شبه مستحيل لتكلفته الخيالية أم ستتركهم، وفي حال تركهم وإنتشار أي أمراض بينهم فلن يسلم أحد سواء من العيش في منطقة آمنة أو مكان مجهز ملائم أو من يعيش خارجه.
ويتبع الجانب الإقتصادي في هذا التحول ليس فقط تحول أماكن السكن والخدمات ولكن أماكن العمل فإذا كنا سنغير من عمراننا في أماكن السكن فأماكن العمل التي نقضي بها مالا يقل عن ثلث وقتنا أيضاً سيحدث بها تغييرات كبيرة.
التحول لن يتم فقط من خلال التنظير والمقالات القصيرة او من خلال رؤيتنا الضبابية الحالية، فما زلنا تحت تأثير الصدمة
ولكن هذا التغيير يحتاج إلى خطط استراتيجية متكاملة تشمل جميع المستويات سواء الاقتصادية أو المكانية أو الزمانية وتختلف عن خططنا للتنمية المستدامة وخططنا الاستراتيجية بالعقود السابقة.
ولعل المحور الأخير الهام هو المحور السياسي فالدول الكبرى صناعياً واقتصادياً والدول الفقيرة والنامية لكل منها أنماط سياسية مختلفة فهل ستقبل تلك الأنظمة خاصة في الدول الفقيرة والدكتاتورية هذا الطرح وكيف ستتعامل معه وكذلك الدول الصناعية الكبرى هل ستقبل ولديها الاستعداد لتغيير نمط مبانيها وعمرانها ومنشأتها الصناعية الضخمة؟
وأؤكد أننا لن نستطيع الاجابة على هذه التساؤلات عبر مقال قصير لأنه سيرتبط بسياسات دولية وأطروحات بحثية حسب حالة كل مدينة وكل دولة.
ولا يسعنا إلا أن ندعو الله أن تكون هذه الجائحة مؤقته تنتهي سريعاً.
حفظ الله مصر وشعبها،،،
د.م.عارف عطية الشمندي
خبير التخطيط العمراني والمراصد الحضرية
aref_attia@yahoo.com
