الخوازيق رزق

وجهات نظر , Comments Disabled

يحكى أنه في قديم الزمان كانت هناك أربعة شعوب تعيش فى تبات نبات, فتأكل وتشرب وتعمل وتلهو وتنجب عيال, لكن كما قالت أطاطة حين سألها مندوب التلفيزيون إن كانت «الآنسة» أطاطة لترد «وهو فيه حاجة بتفضل على حالها يا بنى؟!».

فقد تبدل الحال فمات من مات وولد من ولد, وقامت ثورات , فانهارت إمبراطوريات وممالك وحلت مكانها أشياء أخر, وألقى القبض على الشعوب الأربعة وحكم عليها جميعا بالإعدام, وكان من حسن الحظ أن خيرت تلك الشعوب أى الطرق تفضلها فى الموت!

نسينا أن نقول ونكشف ما هى تلك الشعوب الأربع, فأولهم الهندى, وثانيهم الصومالى وثالثهم الأمريكى, أما الشعب الرابع فهو المصرى.

أما قائمة وسائل الموت المتاحة والتى سردها منفذو عملية الإعدام على أسماع المحكوم عليهم, فتضمنت الشنق والرمى بالرصاص والحرق والكرسى الكهربائى.

………..

على منصة الحكم جلس القضاة, فأمسك كبيرهم بمطرقة خشبية صغيرة وراح يدق بها على المنضدة التى يجلسون إليها, ليوقف نزيف الهمس الذى سيطر على القاعة التى تضم خلق الله وكذا القفص المحبوس داخله الشعوب الأربعة, فلما استوى الأمر وانتبه الجميع, راح كبير القضاة يتلو الأحكام.

كبير القضاة: بعد تمزيق كل القوانين والمواثيق , حكمت المحكمة حضوريا بإعدام الشعوب الماثلة أمامنا, وقد رأت المحكمة الموقرة أن يتم تنفيذ الحكم فى الحال وأمام جميع من بالقاعة.. رفعت الجلسة

هاج جمهور الحضور, وكذا الشعوب المحكوم عليها, غير أن الشعب المصرى وحده لم يعر الأمر اهتماما وكأن شيئا لم يكن, وهو ما لفت انتباه الجميع لكن أحدا لم يعلق.

وهكذا بدأت عملية تنفيذ أحكام الإعدام, والبداية كانت بالشعب الأمريكى, فتقدم السياف مسرور, واسمحوا لنا باستعارته من حكايات ألف ليلة وليلة كى يطمئن قلب شهرزاد ولو لليلة واحدة وحتى يبتعد شهريار بتفكيره الدموى عن الخلاص منها ليركز هو فى البيزنس والتجارة, حاكم أكل العيش لا تضمنه وحدها الإمارة.

يرجع مرجوعنا للسياف مسرور الذى تقدم من الشعب الأمريكى, ليسأله بكل لطف وأدب: دير أمريكان بيبول.. تحب تموت إزاى؟!

فى ثبات وقف الشعب الأمريكى ليقول بكل ثقة: ماى دارلينج مسرور, أنا لست عاطفيا ولن أتوسل لك أو اركع لكى تصفح عنى وتتركنى أمضى لحال سبيلى, لكن ما يدمى قلبى حقا هو أننى شعب صغير السن فعمرى يحسب ببضع مئات من السنين وكان بودى أن أكمل مسيرتى فى التحكم بالشعوب ومصائرها..

مسرور مقاطعا: صديقى لا وقت لذلك, كما إننى عبد المأمور وليس من سلطاتى أن أصدر أمرا بالعفو عنك, لطفا اختر طريقة الموت التى تفضلها سريعا فلدى مهمة واثنتان وثلاث واربع.. باختصار انجز يا مان.

الشعب الأمريكى: أوكي, لكن قل لى.. ماذا لديك من طرق للإعدام؟

مسرور: فضلة خيرك عندنا مسدس وحبل ولتر جاز مع عود كبريت, وكرسى كهربائى..

الشعب الأمريكى: عندك.. أنا أفضل الكرسى الكهربائى, فهكذا الحال لدينا, نحن الأمريكان نفضل الموت بالصدمة الكهربية فهى سريعة وآلامها يمكن احتمالها, كما أن الموت فيها يكون من الوضع جلوسا, يعنى موتة بكرامة.

لم يتحدث مسرور ثانية مع الشعب الأمريكى, فتقدم منه وأجلسه على الكرسى الكهربى وقيد يديه وقدميه, ثم ذهب إلى مصدر التيار الكهربى ليضغط على الزر الأحمر, فحدثت مفاجأة..

كانت المفاجأة فى أن تنفيذ حكم الإعدام يتم فى مصر وبالطبع كانت الكهرباء مقطوعة لذا لم يعمل الكرسى وكتب للأمريكان عمر جديد, فقد أصدرت المحكمة قرارا بالعفو عن ذلك الشعب إيمانا منها بأن انقطاع الكهرباء علامة إلهية وأن اجل ابناء العم سام لم يأت بعد..

كل ما سبق دار أمام أعين الشعوب الثلاثة المتبقية, ففهموا أن المحكمة حتما ستصدر قرارا بالعفو عن الشعب الذى يكتب له القدر عدم الموت من أول محاولة لإعدامه.

بسرعة انتقل مسرور السياف إلى الشعب الهندى ليسأله أى الطرق يفضلها للموت, فبادره الأخير بابتسامة واسعة, ربما أوسع من المحيط الأطلنطى, وقال فى سرور: سيدى, من عاداتنا نحن الهنود أن نحرق جثث موتانا بعد وفاتهم ونثر الرماد هنا وهناك, لكن بما أن الأمر كذلك فانا أفضل الموت بالكرسى الكهربائى تماما مثلما اختار الأمريكى, فهيا خلصنا.

بالفعل تقدم مسرور مكررا المشهد السابق فقيد الشعب الهندى إلى الكرسى الكهربائى وذهب ليضغط على الزر الأحمر ليكتشف مرة أخرى ان الكهرباء مقطوعة فتهلل وجه الهندى وزقطط, وبعدها أمرت المحكمة بالإفراج عن الشعب الهندي فورا, لتكسو البسمة وجهه.

دون هوادة أقدم مسرور على تنفيذ حكم الإعدام فى الشعب الثالث وهو الشعب الصومالى كما تعرفون, والغريب أن السياف ذات نفسه تعاطف مع الصومالى الذى بدا هزيلا وضعيفا يكاد يكون مختفيا من فرط نحافته فعظام جسده ترسم لوحة سريالية تبكى الحجر.

مسرور: أرى انك لا تحتاج إلى الإعدام فأنت ميت دون شك.

الصومالى: اتق الله يا عم مسرور, فالآشية معدن والحمد لله, خلصنا أنت واعرض ما لديك من بضاعة..

مسرور: لدينا كرسى كهربى وجاز وحبل ومسدس.

الصومالى: بما أن التيار الكهربى مقطوع – الله يعمر بيتك يا حكومة – فانا أفضل الإعدام على الكرسى الكهربى.

مسرور: أوك يا شقيق, هيا اجلس على الكرسى حتى أنهى الأمر سريعا دون أن تشعر بألم, فصدقنى سوف أريحك من كل متاعبك.

وبالفعل, قيد الشعب الصومالى إلى الكرسى, وأسرع مسرور مشفقا ليضغط على الزر, لكن شيئا لم يحدث فكما تعرفون.. لا كهرباء..

القاضى: هكذا قدرك يا صومالى, حكمت المحكمة بالإفراج عنك.. اذهب فأنت طليق.

انطلق الصومالى الى جوار الامريكى والهندى وبقى الشعب المصرى, فراح القضاة يتهامسون فيما بينهم, حول ذكاء المصرى الذى حتما سيختار الموت على الكرسى الكهربى كما فعل من سبقوه كى يستفيد من انقطاع التيار ويحصل على العفو المنشود.

فى هذا الوقت كان السياف مسرور يستعد للرحيل فالأمر محسوم وهو يريد أن يتجنب عناء السؤال والمحاولة ثم الفشل للمرة الرابعة, غير أن الشعب المصرى نادى الرجل قبل أن يغادر قائلا: إلى أين تذهب يا أخ مسرور أليس هذا دورى فى الإعدام؟!

مسرور: دورك؟

المصرى: نعم, من فضلك شوف شغلك.

حاضر, هكذا قال مسرور ثم اتجه إلى الكرسى الكهربى ليعده لاستقبال المحكوم عليه بالإعدام وتنفيذ الحكم رغم انقطاع التيار, لكن الشعب المصرى استوقفه قائلا: لماذا تحجر على رأيى, ولماذا لم تخيرنى أى الطرق أفضلها للموت؟

مسرور: طول عمرك بتاع كلام, طيب يا سيدى تحب تموت إزاى؟!

المصرى: بما أن الكهربا مقطوعة, فأنا أفضل الإعدام على الخازوق, اعرف انه غير موجود فى قائمتك, لكنى عملت حسابى وأحضرته معى, فهو خازوق طويل وحاد ولا يخالف الشرع.

مندهشا, فغر مسرور فاه, وأخذ يردد ويهذى بتلك الكلمات وكأنه قد جن: خازوق؟.. خازوق؟.. خازوق؟.. حكمتك يا رب.


بحث

ADS

تابعنا

ADS