تحقيقات

المسرح في السينما.. رصاصة «الحكيم» تتحول إلى أفضل أفلام محمد عبد الوهاب.. «الأيدي الناعمة» من كلاسيكيات الشاشة الفضية.. «مدرسة المشاغبين» نجحت مسرحيًا وفشلت سينمائيًا و«أغنية على الممر» الأفضل  

لجأ كثير من صناع السينما إلى النصوص المسرحية لتحويلها إلى أفلام واستخدامها كمادة خام للإبداع، وهو ما يطرح عدة تساؤلات منها هل يتغير معنى العمل الفني حين ينتقل من وسيط فني إلى آخر، فالمسرحية التي كتب لتقدم على خشبة المسرح في عرض حي هل يختلف معناها حين تتحول إلى شريط سينمائي لتعرض على شاشة بيضاء كتيار من الصور البصرية والسمعية المتلاحقة،  وهل ما يراه المتفرج على شاشة السينما هو العمل الفني الأصلي الذي أبدعه المؤلف أم نسخة شائهة منه وتزييف هويته الفنية كعمل مسرحي أم يعد عملا فنيا جديدا تماما قائما بذاته، هل هو سطو على خيال المؤلف المسرحي أم يندرج -كما ترى الدكتور نهاد صليحة أستاذة النقد المسرحي- تحت حرية الفنان في الإبداع على الإبداع، وعلى مدار تاريخ السينما لم تبتعد عن النصوص المسرحية خاصة أن رواد المسرح المصري هم من اتجهوا إلى الفن السابع ونقلوا أعمالهم من على خشبة المسرح إلى قاعات السينما وأبرزهم يوسف وهبي.. وفي السطور التالية بعض النصوص المسرحية التي قدمت على خشبة المسرح ثم ألهبت خيال السينمائيين فأسرعوا إلى تقديمها على الشاشة الفضية..

رصاصة في القلب

يعد توفيق الحكيم من الأدباء المصريين القلائل الذين يمتلكون مخيلة سينمائية حين يكتبون للمسرح رغم التزامه التام بالوحدات الثلاث «الزمان – المكان – الحدث» إلا أن قدرته الفائقة على صياغة الحوار جعلت من نصوصه تمتلك خاصية سينمائية فريدة وهي السيولة الزمنية ويتجلى ذلك في نصه «رصاصة في القلب» التي نشرت عام 1931 التي تدور أحداثها حول «نجيب» ذي الوضع المالي المزري الذي يقع في حب الفتاة «فيفي» من النظرة الأولى ولا يعرف من تكون فيحكي لصديقه الدكتور «سامي» الحكاية التي يتضح أنها خطيبة صديقه وتتوالى الأحداث الغريبة والجميلة في آن واحد دون أن يعرف صديقه الدكتور شيئا، في إطار هزلي جاد مفعم بالصور المضحكة.

وهي من أوائل أعمال توفيق الحكيم التي تحولت إلى السينما فى الأربعينات «1944» فى فيلم «عبد الوهاب» الشهير «رصاصة فى القلب»، من إخراج محمد كريم واشترك في البطولة راقية إبراهيم وسراج منير وتغير اسم البطل من «نجيب» إلى اسم سينمائي يليق بعبد الوهاب وهو «محسن»،  واعتبر من أفضل أفلام محمد عبد الوهاب، وحققت أغانيه شهرة واسعة ومنها «المية تروي العطشان» و«لست أدري»، «انسى الدنيا» والديالوج الغنائي الشهير «حكيم عيون» وأغنيات أخرى.

ولا يخفى أنها كانت من أيقونات المسرح وقدمت على عدة مسارح في عصور مختلفة وأقدم نسخة مصورة منها في عام 1965 حين قدمها صلاح ذو الفقار في أول أدواره على المسرح أمام ليلى طاهر، ثم عاد إليها المخرج المسرحي الكبير حسن عبد السلام عام 1999 ببطلين آخرين هما علي الحجار والمطربة أنغام.

الأيدي الناعمة

خصائص مسرح توفيق الحكيم من حيث السيولة الزمنية والحوار اللاذع جعلت السينما تشتهي تقديم أعماله وهذه المرة فى الستينات «1963» فقدمت له فيلماً مأخوذا عن مسرحيته «الأيدي الناعمة» الذي بات من كلاسيكيات تلك الفترة من سيناريو وحوار يوسف جوهر وبطولة أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار «الدكتور في حتى» ومريم فخر الدين وليلى طاهر وصباح التي قدمت مجموعة من أروع أغانيها.

وفي النص المسرحي يلتقي البرنس فريد «في الفيلم شوكت حلمي» بالدكتور علي حمودي «في الفيلم محمود» صدفة ويستنتج الاثنان بأنهما مفلسان فالبرنس قد جردته الحكومة من لقبه وماله وقصره والدكتور «دكتور لغة عربية في علم النحو» رغم علمه إلا أنه لا يجد عملا فيدعو البرنس الدكتور للعيش في قصره الفارغ حتى يسكنه الشيخ عبد السلام وابنته كريمة وهو شخص متدين ذو علم ومال ودين وهو أيضا والد سالم زوج مرفت «ابنة البرنس الكبرى».

مع مرور الزمن يقع البرنس في حب كريمة والدكتور في حب جيهان فيطلب كل منها يد الفتاة من والدها ثم منها وينتهي مصيرهما بأن يكون القرار النهائي لسالم بعد أن يعمل البرنس في إدارة شركة سيارات والدكتور في العمل بشركة بترول «وفي الفيلم يعمل شوكت حلمي مرشدًا سياحيًا ويتجه دكتور حتى للعمل في السينما».

والنص الأصلي قدمته فرقة يوسف وهبى المسرحية عام 1954 من بطولة يوسف وهبى، فاخر فاخر «وفي النسخة المصورة تم استبداله بصبري عبد العزيز»، سميحة أيوب، شفيق نور الدين، نور الدمرداش، حسن البارودي.

مدرسة المشاغبين

لم تتخل السينما المصرية عن النصوص المسرحية في أي فترة من فتراتها وفي السبعينات لجأت إلى نصين للكاتب علي سالم وهما مدرسة المشاغبين وأغنية على الممر.

في «مدرسة المشاغبين»، التي نجحت جماهيريًا عند عرضها على المسرح عام 1973 من إخراج جلال الشرقاوي وبطولة الزعيم عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي وسهير البابلي وعبد المنعم مدبولي «في النسخة المصورة حسن مصطفي»، إلا أن النقاد واجهوها بشكل حاد باعتبارها مسرحية أفسدت الجيل والأجيال اللاحقة، وحطّت من قيم المجتمع وأخلاقياته، رغم أن علي سالم كان يقصد بعمله الفني الحث على تفهم الجيل الجديد، ومساعدته على تحقيق أحلامه، من خلال أسلوب تعليمي يكتشف قدرات الطلبة الحقيقية ويزرع الثقة فيهم، ويضعهم على الطريق الصحيح بعيدًا عن القهر.

وفي نفس العام «1973» تم تحويل المسرحية «مدرسة المشاغبين» إلى فيلم ولكن بأبطال آخرين هم نور الشريف، محمد عوض وسمير غانم وجورج سيدهم بالاشتراك مع عبد المنعم مدبولي «الناظر في الفيلم والمسرحية» ومن إخراج «حسام الدين مصطفى»، إلا أن التجربة لم يكتب لها النجاح وظل العمل المسرحي خالدًا في ذهن المشاهدين.

والنص المسرحي الآخر لعلي سالم كان «أغنية على الممر»، الذي تم تحويله إلى فيلم سينمائي «1972» من خلال سيناريو لمصطفى محرم، وإخراج علي عبد الخالق، وبطولة محمود ياسين ومحمود مرسي وصلاح السعدني وأحمد مرعي وصلاح قابيل وأشعار عبد الرحمن الأبنودي، وهو من أفضل الأعمال التي تناولت الحرب، وفي هذا العمل تناول علي سالم الحالات النفسية لخمسة جنود محتجزين على ممر حيوي بعد النكسة يرفضون التسليم بالهزيمة، رغم انقطاع المؤن والاتصالات، يستعيد كل منهم لحظات حياته الفارقة، وفي النهاية يموت ثلاثة منهم دفاعًا عن الممر.

 

 

الوسوم

إغلاق