من زجاجة مياه فارغة وعلبة «كانز» إلى أزمة وصلت إلى وزارتي التنمية المحلية والبيئة.. هكذا تطورت خلال أيام قليلة قصة ماكينات الاسترداد الذكي التي بدأ حي الدقي بمحافظة الجيزة تشغيلها تجريبيًا لجمع العبوات القابلة لإعادة التدوير.
التجربة بدأت بهدف واضح: تشجيع المواطنين على عدم التخلص من الزجاجات البلاستيكية والعبوات المعدنية في القمامة، وتسليمها إلى ماكينات مخصصة تمنح مقابلها نقاطًا يمكن تحويلها إلى قيمة مالية أو رصيد. لكن سرعان ما دخل الزبالين على خط الأزمة، بعدما اعتبروا أن سحب هذه المخلفات من الشوارع يهدد مصدر رزقهم الأساسي.
البداية.. زجاجة بلاستيك مقابل نقاط وفلوس
بدأ حي الدقي تشغيل ماكينات الاسترداد الذكي في شارع التحرير، ضمن تجربة تستهدف جمع الزجاجات البلاستيكية وعبوات «الكانز» بطريقة منظمة، وربط عملية التخلص من المخلفات بحافز يحصل عليه المواطن.
وتعتمد الماكينات على نظام النقاط؛ إذ يضع المواطن العبوة في المكان المخصص، فتتعرف عليها الماكينة وتحتسب النقاط وفق نوع العبوة وحجمها. ويمكن تجميع 100 نقطة مقابل 10 جنيهات، مع إمكانية الحصول على المقابل في صورة نقدية أو رصيد وفق آلية التشغيل.
ولا تقتصر الفكرة على منح المواطن مقابلًا ماليًا، إذ تستهدف المنظومة جمع العبوات منفصلة تمهيدًا لإعادة تدويرها، بما يقلل من وصول المخلفات القابلة للاستفادة إلى صناديق القمامة أو الشوارع.
وتأتي الماكينات ضمن منظومة أوسع بدأ حي الدقي تطبيقها لتطوير النظافة، من بينها الصناديق الهيدروليكية المدفونة أسفل الأرض، في محاولة للحد من تكدس القمامة والفرز العشوائي في الشوارع.
لماذا اعترض الزبالين؟
مع بدء التجربة، ظهر الاعتراض من شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، الذي اعتبر أن البلاستيك وعبوات «الكانز» تمثل جزءًا مهمًا من دخل العاملين في جمع وفرز المخلفات.
وقال المقدس إن استمرار المشروع دون إشراك العاملين في منظومة جمع القمامة يمثل تهديدًا مباشرًا لمصدر رزقهم، محذرًا من أن استمرار التجربة بهذه الصورة قد يدفعهم إلى التوقف عن جمع القمامة في المناطق التي تنتشر فيها الماكينات.
ويرى نقيب الزبالين أن العاملين في هذا القطاع يعتمدون على المخلفات القابلة لإعادة التدوير كمصدر أساسي للدخل، وبالتالي فإن نقل عملية جمع البلاستيك والكانز من الشارع إلى الماكينات يغير المعادلة الاقتصادية التي يعملون وفقها.
كما طالب بأن يكون العاملون في جمع وفرز المخلفات جزءًا من أي تطوير جديد للمنظومة، بدلًا من استبعادهم من عملية الاستفادة من المواد القابلة لإعادة التدوير.
رئيس حي الدقي: الماكينات لا تستهدف قطع أرزاق أحد
في المقابل، رفض المهندس محمد رزق، رئيس حي الدقي، فكرة أن الماكينات تستهدف العاملين في جمع القمامة أو تهدد مصادر رزقهم.
وأكد أن الهدف من التجربة هو تنظيم التعامل مع المخلفات والحد من ظاهرة «النباشين» الذين يقومون بفرز محتويات صناديق القمامة في الشوارع، بما قد يؤدي إلى بعثرة المخلفات وتشويه المظهر العام.
وشدد رئيس الحي على أن المنظومة لا تستهدف متعهدي جمع القمامة، مؤكدًا أن الهدف هو تطوير طريقة التعامل مع المخلفات وليس قطع رزق أي عامل.
وهنا ظهر جوهر الخلاف؛ فبينما تنظر المحافظة والحي إلى الماكينات باعتبارها وسيلة لتنظيم عملية الفرز وتشجيع المواطنين على المشاركة في إعادة التدوير، يرى العاملون في جمع القمامة أن المواد التي تستهدفها الماكينات تحديدًا تمثل جزءًا من دورة دخلهم.
الماكينات تنجح في جذب المواطنين
وبالتزامن مع تصاعد الأزمة، بدأت التجربة في جذب المواطنين، خاصة الأطفال والكبار الذين توافدوا على الماكينات لإدخال زجاجات المياه والعبوات المعدنية والحصول على النقاط.
ووصلت إحدى الماكينات إلى مرحلة الامتلاء، قبل أن تبدأ عملية تفريغ العبوات التي جمعتها خلال فترة التشغيل، في مؤشر على وجود استخدام فعلي للتجربة منذ إطلاقها.
وأظهرت المتابعة الميدانية أن بعض المواطنين أصبحوا يحتفظون بالعبوات ويجمعونها خصيصًا لإدخالها إلى الماكينات بدلًا من التخلص منها، بينما طالب آخرون بتعميم التجربة وزيادة الحافز المقدم مقابل العبوات.
ما الذي سيحدث للزبالين؟
مع استمرار التجربة، تحولت القضية من مجرد تشغيل عدد محدود من الماكينات في الدقي إلى نقاش أوسع حول مستقبل العاملين في جمع وفرز المخلفات، وكيف يمكن إدخال التكنولوجيا إلى المنظومة دون الإضرار بمصادر دخلهم.
وكشفت التطورات الأخيرة عن دعوة شحاتة المقدس إلى اجتماع مع وزارتي التنمية المحلية والبيئة لبحث الأزمة، في محاولة للوصول إلى صيغة تحافظ على أهداف التجربة الجديدة وفي الوقت نفسه تراعي أوضاع العاملين في جمع القمامة.
ويأتي الاجتماع المرتقب في وقت تؤكد فيه محافظة الجيزة أن التجربة حققت نتائج أولية ملموسة، وأن المواطنين أبدوا ارتياحًا تجاهها، بينما يطالب الزبالين بضمان عدم تحول تطوير منظومة إعادة التدوير إلى منافسة مباشرة لمصدر رزقهم.
أزمة أم بداية لمنظومة جديدة؟
حتى الآن، تبدو تجربة الدقي اختبارًا مبكرًا لفكرة إدخال التكنولوجيا في جمع المخلفات القابلة لإعادة التدوير. نجاح الماكينات في جذب المواطنين من ناحية، والاعتراضات التي أثارتها بين العاملين في جمع القمامة من ناحية أخرى، يضعان الجهات المسؤولة أمام معادلة تحتاج إلى حل متوازن.
فالتحدي لم يعد فقط في جمع زجاجة البلاستيك أو علبة «الكانز»، وإنما في تحديد موقع كل طرف داخل المنظومة الجديدة: المواطن الذي يجمع المخلف ويحصل على مقابل، والماكينة التي تستقبلها وتوجهها لإعادة التدوير، والزبال الذي يعتمد على هذه المخلفات في مصدر دخله.
ومن المنتظر أن تكشف المناقشات بين الجهات الحكومية ونقيب الزبالين عن شكل التعامل مع التجربة خلال الفترة المقبلة، وما إذا كانت الماكينات ستظل تجربة محدودة في الدقي أم تتحول إلى نموذج يتم تعميمه في مناطق أخرى.





